مؤامرة المدافع والسياسة.. هكذا أجبرت إنجلترا محمد علي على التخلي عن حلم الشام!
كان مشروع محمد علي باشا لتوسيع نفوذه خارج مصر واحدًا من أبرز التحولات السياسية والعسكرية في تاريخ المنطقة خلال القرن التاسع عشر، لكن هذا المشروع اصطدم بمصالح القوى الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا، لتنتهي طموحات والي مصر في بلاد الشام بالتراجع والانسحاب.
لماذا أراد محمد علي السيطرة على الشام؟
بعد تثبيت أركان حكمه في مصر، اتجه محمد علي إلى بناء دولة قوية تعتمد على جيش حديث وإدارة مركزية واقتصاد أكثر تنظيمًا. ومع تصاعد الخلافات بينه وبين الدولة العثمانية، أصبح الشام هدفًا استراتيجيًا مهمًا بالنسبة إليه.
ورأى محمد علي أن السيطرة على بلاد الشام ستمنح مصر موارد اقتصادية وبشرية مهمة، كما توفر منطقة عازلة تحمي حدودها الشمالية، وتدعم مشروعه لتوسيع نفوذ الدولة التي كان يعمل على بنائها.
وفي عام 1831، تحركت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا، نجل محمد علي، إلى بلاد الشام، وحققت سلسلة من الانتصارات على القوات العثمانية.
انتصارات إبراهيم باشا تثير قلق أوروبا
تمكنت القوات المصرية من تحقيق تقدم عسكري كبير، ووصل نفوذ إبراهيم باشا إلى مناطق واسعة، قبل أن يتجه الصراع إلى مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب القوات المصرية من الأناضول.
وأثار هذا التوسع قلق القوى الأوروبية، التي لم تكن تنظر إلى تحولات ميزان القوى بين مصر والدولة العثمانية باعتبارها شأنًا داخليًا فقط، خصوصًا أن ضعف الدولة العثمانية أو تفككها كان يمكن أن يغير خريطة النفوذ في المنطقة.
بريطانيا تتحرك لحماية مصالحها
كانت بريطانيا من أبرز القوى التي عارضت استمرار توسع محمد علي، إذ ارتبط موقفها بالحفاظ على توازن القوى في شرق البحر المتوسط ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، فضلًا عن رغبتها في منع أي قوة إقليمية من فرض نفوذ واسع يهدد هذا التوازن.
وفي عام 1840، تحركت بريطانيا بالتعاون مع قوى أوروبية أخرى للضغط على محمد علي، ووقعت معاهدة لندن التي طالبت بتسوية الأزمة وإجباره على التخلي عن معظم الأراضي التي سيطر عليها خارج مصر.
مدافع الأساطيل تحسم الصراع
لم تقتصر الضغوط على المفاوضات السياسية، إذ شاركت القوات البحرية البريطانية وحلفاؤها في عمليات عسكرية ضد مواقع تابعة لمحمد علي، وكان قصف عكا في نوفمبر 1840 من أبرز الأحداث التي أظهرت حجم القوة العسكرية التي واجهها المشروع المصري.
وأدى تراجع القوات المصرية في بلاد الشام، إلى جانب الضغوط السياسية والعسكرية الأوروبية، إلى إجبار محمد علي على قبول التسوية.
نهاية حلم الشام
انتهت الأزمة بتثبيت حكم محمد علي وأسرته في مصر بصورة وراثية، مقابل تخليه عن معظم مكاسبه خارجها وسحب قواته من بلاد الشام.
وهكذا، لم يكن تراجع محمد علي عن مشروعه في الشام نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة أمام الدولة العثمانية وحدها، بل جاء نتيجة تداخل عوامل عسكرية وسياسية ودبلوماسية، كان للتدخل البريطاني والأوروبي فيها دور حاسم.
وتظل حملة محمد علي في الشام واحدة من أبرز الوقائع التي تكشف مدى ارتباط الصراع الإقليمي في القرن التاسع عشر بتنافس القوى الأوروبية على النفوذ والمصالح في شرق البحر المتوسط.







